`
 

   

 

الماسونية نشرت المبادئ

الدينية والادبية

و«الاخوة»

اجتمعوا في الاديرة برئاسة

«المحترم»

بقلم السامي الإحترام جوزف أبو زهرة

 

سنة ٥۰۰ م. قام بعض من بقي في روما من البنائين ونظموا حالتهم من جديد. ثم اقتدى بهم من كان في «غالياً» واخذوا في تدمير الهياكل الوثنية وبناء الهياكل المسيحية وكانوا يتمتعون بجميع امتيازاتهم القديمة.

واما الماسون الذين انتقلوا الى سوريا واقاموا فيها، فقد شيدوا البنايات الفخمة واتسع صيتهم حتى بلغ مسامع العائلة الساسانية في بلاد فارس، فانتدبت فئة منهم لبناء المعاقل والمعابد والتماثيل على نمط جديد ناتج عن امتزاج النمط الروماني واليوناني والبيزنطي وذلك سنة ٥۳۰ م.

سنة ٥٥۰ م. امر الامبراطور جوستنيان الاول في القسطنطينية فئة من البنائين الاحرار ان يرمموا كنيسة  «آجيا صوفيا» اثر تعرضها لحريق هائل ( ومن المعلوم ان هذه الكنيسة تحولت الى جامع اسلامي اثر سقوط القسطنطينية على يد محمد الثاني الذي لقب بالفاتح سنة ۱٤٥۳ ).

 

ومن القسطنطينية انتشرت جماعة البنائين اذ ذاك الى سائر انحاء ايطاليا وسردينيا وسيسيليا وقسم من افريقيا فشيدوا فيها المعابد المسيحية على غرار كنيسة «آجيا صوفيا» ونشروا مبادئ هذه الديانة بين الشعب.

وقد ازيلت المباني المذكورة في عهد الاباطرة الايكونوكلاستيين سنة ٧۲٦م

«ومن المعلوم ان هؤلاء امروا بحرق جميع الايقونات البيزنطية او اتلافها لذلك دعوا بالايكونوكلاستيين».

وفي سنة ٥٥٧ م. جاء الى انكلترا القسيس الماسوني اوستين ليبشر بالمسيحية في تلك الانحاء فترأس على جماعة الماسون وعملوا معهم على نشر تعاليمهم حتى ازدهرت تلك الجمعية في انكلترا.

سنة ٥٨۰ م. ترك العديد من البنائين روما وقصدوا بريطانيا للمساهمة في تشييد الابنية التي اقتضتها حال البلاد من انتشار الديانة المسيحية.

في سنة ٦۰۲ م. تأسست كنيستا كنتربري وروشستر في انكلترا.

وفي سنة ٦۰٤ م. تأسست كنيسة القديس بولس في لندن وهي من أعظم الكنائس التي يقصدها السواح من جميع انحاء العالم.

اشتهرت هذه الكنيسة بارتفاعها واتساع قاعة الصلاة فيها حتى قيل انها تتسع لعشرة الآف شخص جلوساً.

وفي سنة ٦۱۰ م.  توفي القسيس اوستين وكان مفتشاً عاماً للبنائين الاحرار. ثم عرف بعد ذلك بالقديس اوغسطين.

وفي سنة ٦۲۰ م. زاد اهتمام الماسون بالأمور الدينية. ولقبوا بألقاب مختلفة حسب الاماكن التي يقيمون فيها فكانوا يعرفون في ايطاليا بمدارس المهندسين او البنائين او الاخوية الاحبار او الجمعيات الحرة. وفي بريطانيا كانوا يلقبون بالماسون الاحرار اشارة الى الامتيازات التي اعطيت اليهم. وكانت هذه الجمعيات تعمل يداً واحدة في نشر المبادئ الدينية والادبية وكانوا يجتمعون في الاديرة برئاسة رجال الدين. ومنذ ذلك الحين اضيف الى اسم رئيس المحفل كلمة «محترم» وهو لقب اكليريكي شائع. ولا يزال الماسون حتى اليوم يدعون الاخ رئيس المحفل الماسوني ( الاخ المحترم ). وكانت الاديرة مأوى الماسونيين في حالات الاضطراب. وكان ينضم اليهم الكثير من الرهبان والاحبار. واشتهر بينهم كثيرون عرفوا بعد ذلك بألقاب القداسة ولا تزال تقدم لهم شعائر العبادة حتى اليوم. واما العالميون من الاخوة فكانوا يشتغلون ببناء المعابد.

وفي سنة ٦٨۰ م. كان الماسون الاحرار في بيرطانيا بعد وفاة اوستين لا يزالون من دون رئيس فأهتم بذلك ملك موريس الذي كان من اعظم انصار الماسونية فأقام لهم الاب « ويرال» مفتشاً عاماً.

 

في عهد الخلفاء

اما فئات الماسون الذين جاؤوا المشرق وكان منهم جماعة في القسطنطنية فقد نالوا شهرة واسعة. وكان يدعوهم ملوك فارس وبلاد العرب وسوريا لبناء المعاقل والمعابد. وقد استعان بهم الوليد بن عبد الملك

( سنة ٨٨ للهجرة ) في بناء المعابد في المدينة ودمشق واورشليم وقد ورد في تاريخ العلامة ابن خلدون قوله يصف بناء مسجد المدينة في امارة عمر بن عبد العزيز.

ثم كتب اليه ( الى عمر بن عبد العزيز) سنة ثمان ان يدخل حجر امهات البنائين في المسجد ويشتري ما في نواحيه حتى يجعله مائتي ذراع في مثلها وقدم القبلة ومن ابى ان يعطيك ملكه فقومه قيمة عدل وادفع له الثمن واهدم عليه الملك ولك في عمر وعثمان اسوة. فاعطاه اهل الاملاك وما احب منها بأثمانها

وبعث الوليد الى ملك الروم في القسطنطنية انه يريد بناء المسجد فبعث اليه ملك الروم بماية الف مثقال من الذهب وماية من الفعلة واربعين حملاً من الفسيفساء وبعث بذلك كله الى عمر بن عبد العزيز واستكثر معهم من فعلة الشام وشرع عمر في عمارته. وكذلك فعل عند بناء مسجدي الشام واورشليم.

بقيت جمعيات الاخوة البنائين الاحرار تتسع نطاقاً في سكوتلاندا وغاليا حتى نهاية الجيل السابع الى ايام الفتوحات الاسلامية سنة ٧۱٨ م. فانحطت وضعفت ولما جاء العهد العباسي وبنيت بغداد ازدهرت تلك العاصمة ولا سيما صناعة البناء فيها وكأن الماسونية انتقلت في ذلك القرن من اوروبا الىاسيا اثر التمدن الاسلامي. وازداد عدد جمعيات البنائين في سوريا والعراق وبلاد العرب. وانتظم في سلكها كثير من العلماء والفقهاء والامراء.

 

بناء بغداد

ورد في تاريخ ابن الاثير عن كيفية بناء بغداد وكتب «ابن المنصور» الى الشام والجبل والكوفة ووسط البصرة في معنى انفاذ الصناع والفعلة. وامر باختيار قوم من ذوي الفضل والعدالة والفقه. وامر باختيار قوم من ذوي الامانة والمعرفة بالهندسة. فكان ممن احضر لذلك الحجاج ابن ارطاة وابو حنيفة. وامر فخطت المدينة وحفر الاساس وضرب اللبن وطبخ الاجر... ووكل عليها اربعة من القواد كل قائد بربع ووكل ابا حنيفة بعدد الاجر واللبن.

ومن عادة البنائين اذا اتفقوا على بناء بلدة او سور او معبد يجعلون منازلهم من الخشب بجوار البناء يقيمون فيه للطعام والرقاد والاجتماعات السرية ومحاسبة العمال الخ. وكانوا لا يسمحون لأحد ان يدخل عليهم او يطلع على اعمالهم. وذلك حتى يتم البناء فينصرفون بعد ان ينال كل منهم حقوقه.

مما قاله ابن الاثير : «وكانت الاسواق في المدينة اي بغداد فجاء رسول لملك الروم فامر الربيع فطاف به في المدينة، فقال كيف رأيتها، قال رأيت بناءً حسناً، الا اني رأيت اعداءك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه امر باخراجهم الى ناحية الكوخ. وقيل انما اخرجهم لأن الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وربما كان فيهم الجاسوس... وكان الاستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة والروزكاري بحبتين».

 

والروزكاري كلمة اعجمية لها وجود في المعجمات الفارسية «روزكار»  ومعناها «الروزكاري» الدنيا او الزمان او العالم او البخت. فاذا كانت نسبة الى هذه يكون معناها «العالمي» او «الزماني»  وهو لقب يقصد به «عامة الناس غير الكهنة».

 

ان استعمال هذه الكلمة في معرض التكلم عن البنائين يستفيد منها عامة الناس الذين هم غير الاخوة البنائين. والماسون الى هذا اليوم يدعون من هو ليس من جمعيتهم بالخارجي او الاجنبي وهو يشبه التعبير الذي مر بنا. قد يتبادر الى الاذهان ان الروزكاريين هم اعضاء لجمعية سرية تشبه بمبادئها الجمعية الماسونية وكانت في ذلك العصر كثيرة الانتشار وبينها وبين  الماسونية علاقات وارتباطات وهذه الجمعية تدعى الروزيكروسيان ولا يخفى على احد ما بين هذه اللفظة وتلك من التشابه اذا اعتبر

 ما يطرأ على اللفظ من التغيير في انتقاله من لغة الى اخرى. وكان من جملة اعضاء هذه الجمعية الكثير من الشرقيين اللامعين امثال الفارابي الذي اشتهر بمدينته الفاضلة. والفضل بن سهل الفلكي الشهير. وخالد من برمك والمورياني وغيرهم.

لذلك نستنتج ان البنائين الذين بنوا مدينة بغداد كانوا من الاخوة البنائين الاحرار الذين كانوا منتشرين في اقاصي الشرق كما سبق وقلنا.

 

سنة ٧٧٥ انتقلت صناعة البناء الى الاندلس الرازحة تحت الحكم الاسلامي وكيفية ذلك ان عبد الرحمن الاول لما افتتح قرطبة وجعلها مقاماً له ارسل الى الامصار الشرقية ولا سيما بغداد يطلب منها البنائين لبناء هذه المدينة. فأقام البنايات المتعددة ومنها الجوامع والمساجد والحصون وقد اتخذت بمعظمها شكل البناء القسطنطيني. وانشأ فيها مدارس للبنائين مع المحافظة على مالهم من الحقوق والامتيازات. واشتهرت قرطبة بعد ذلك بالعلم والصناعة ولا سيما صناعة البناء. وكان يأتيها الطلاب من سائر انحاء العالم لاكتساب العلوم والصنائع.

 

 

في فرنسا

انتشرت الماسونية في فرنسا سنة ٧٨۰ ايام شارلمان الذي كان منشطاً للعلم والصناعة والفضيلة وكان البناؤون الاحرار يدعون في ايامه «نحاتو الحجارة» رمموا الكثير من الهياكل والتماثيل التي هدمت بسبب هجمات قبائل الدانوا.

 

في بريطانيا

ازدهرت الصناعة في بريطانيا سنة ٨٧٥ م. في ايام الفرد الاكبر اشهر ملوك الساكسونيين.

وفي سنة ۹۰۰ م. اوصى ادوار ملك الساكسونيين «بعد الفرد» ان ينتقل الملك من بعده لاخيه اثلوارد وصهره اثرد الملمين بصناعة البناء. وهما من الاخوة البنائين الاحرار بل من رؤسائهم.

لم تأت سنة ۹۲٥ م. حتى انه لم يعد هناك مدينة واحدة من المدن في انكلترا الا فيها مدرسة بنائية حرة... لكن الانقسامات المتواصلة والخصومات المتكررة ادت الى الحروب الاهلية. ومما قاسته الماسونية وخسرته في ذلك العهد اوراقها المحفوظة في مكاتبها. فقد فقدتها جميعها حرقاً اثناء الحروب مع الدانوا. وكان في جملة اعضاء الماسونية اولستون حفيد الفرد الاكبر. ولما ارتقى في درجاتها. وعمل على ترقية ابنه «ادون»  في اسرارها حتى انتخب اخيراً استاذاً اعظم لها. و«لادون» شأن عظيم في تاريخ الماسونية لأنه جمع اليه في يورك جميع الاوراق التي كانت باقية الى ذلك العهد مما يتعلق بالماسونية وجمع اليه رؤساء المحافل من انحاء العالم بالنيابة عن محافلهم لكي يستخلصوا مما لديهم من الاوراق والمعلومات قانوناً للماسونية يجمع شتاتها ويوجد كلمتها.

 فاجتمع ذلك المؤتمر سنة ۹۲٦ م. تحت رئاسة ادون هذا وكتبوا لائحة مبنية على ما كان لديهم من الاوراق الماسونية. واصبحت مدينة يورك الانكليزية مركز العالم الماسوني الحر ومرجع المحافل عموماً. وقد دعيت اللائحة التي وضعها ذلك المؤتمر «لائحة يورك» وثبتها بعد ذلك الملك هنري السادس. وهنا نص المواد الاساسية لتلك اللائحة :

         ۱ - اول واجباتك ان تخلص في احترام الله  واتباع  شرائع  نوح  

            «يظن البعض ان نوح هو اول من وضع الشرائع الماسونية» لانها الشرائع الالهية التي             يجب ان يتبعها كل البشر وبناء عليه يجب ان تجتذب التعاليم الفاسدة فلا تكون لك معثرة في             طريق الله.

        ۲ – كن مخلصاً لسلطانك واذعن لاوامر حكامك حيثما وجدت. لا تأت خيانة واذا علمت بمن             نواها اعلن القضاء به.

         ۳ – كن نافعاً لكل الذين هم حولك وشدد معهم عرى المحبة والاخلاص والامانة بقطع النظر             عن معتقداتهم الدينية.  

        ٤ -  كن مخلصاً لاخيك الماسوني وعلمه وساعده في صناعته ولا تسع الى ضره بل عامله بما             تريد انت ان يعاملك الاخرون. واذا رأيت من اخيك اعوجاجاً انصحه واذا نصحك اصغ             اليه واستفد من مشوراته.  

        ٥ – واظب على حضور اجتماعات المحافل وساعد في البحث في اشغال اخوانك. واكتم             الاسرار عمن هم ليسوا من الاخوان الماسونيين.  

        ٦ – الامانة واجبة على كل اخ اذ بدونها وبدون الاستقامة لا تقوم الاخوة.  

        ٧ – أوفِ ما عليك وبالاجمال ولا تأت امراً يحط من قدر الماسونية. 

        ٨ – على الاساتذة ان يكونوا من أصحاب الكفاءات وان يطلبوا اجوراً معتدلة تكون كافية             لحاجاتهم.  

        ۹ – لا يجوز لأحد ان يسعى الى اختلاس العمل من الآخرين الا في حال عدم الكفاءة.  

       ۱۰ – لا يجوز لأستاذ من الاساتذة ان يقبل طالباً اجنبياً الا  لمدة سبع سنوات والا يدخله في             اسرار الماسونية الا بعد صرف هذه المدة وبعد مشورة ومصادقة سائر الاخوة.

       ۱۱ – لا يجوز للاستاذ ان يقبل اي منتسب اذا  لم يكن الطالب حر الولادة وحسن السيرة  ذا             اعضاء سليمة وأهلية حسنة. 

       ۱۲ – لا يجوز للماسوني ان يعنف اخاه في عمله الا اذا كان ارفع منه مرتبة في الماسونية.  

       ۱۳ – اذا عنف رئيس المحفل احد الاساتذة او عنف الاستاذ احد الرفقاء فعلى المعنف ان يصغي             لما يقال له ويصلح خطأه. 

      ۱٤ – على الماسون ان يذعنوا لرؤسائهم وينفذوا كل ما يأمرهم به كل غيرة ونشاط. 

      ۱٥ – على الماسون ان يرحبوا بالرفاق الذين يأتون اليهم من بلاد بعيدة بعد اعطائهم الاشارة             الماسونية. وان يهتموا بمصالحهم وان يساعدوا جميع الاخوان عندما يعلمون باحتياجهم الى             المساعدة اذا كانوا على مسافة ربع ساعة. 

     ۱٦ – لا ينبغي لأحد الاخوة الماسون ان يسمح بدخول احد الى المحفل اذا لم يتأكد كونه ماسونياً             لكي لا يطلع على صناعة البخت والمربعات والفادن.

هذا وللاخوة البنائين الحق في اضافة ما يجدونه مناسباً من القوانين باقرار رؤساء المحافل لكي يكون جميع الاخوان المشتركين بها على السواء.

     الانتشار العالمي

 اخذت الاخويات الماسونية تنتشر من انكلترا الى انحاء اوروبا والشرق. ففي سنة ۹۳۰ م. ارسل هنري الاول ملك جرمانيا يطلب من انكلترا جماعات من الماسون لكي يبنوا له البنايات العظيمة منها كنيسة مكدمبرغ وغيرها.

     وفي سنة ۹۳٦ م. اخذ البناؤون في اسبانيا في بناء القصر الملوكي المشهور بأمر الامير عبد الرحمن وهو بناء قائم على اربعة الآف وثلاثماية عمود من الرخام. وبعد وفاة الملك ادلستون سنة ۹٦۰ م. كثر انتشار البنائين وتفرقهم من انكلترا. ومضت مدة حكم ادكار ولم ينتج منها عمل يذكر وكانت اذ ذاك تحت رئاسة دنستان بطريرك كنتربري الذي اصبح بعدئذٍ القديس دنستان. وسارت جماعة كبيرة من الماسون الى المانيا واستقرت هناك تحت اسم اخوية القديس يوحنا.

 

 

 
 
   
    back